الثلاثاء , 18 يونيو 2024
أخبار عاجلة
الأستاذ محمد محمود ولد محمد صالح يكتب : ردا على مقال ولد اشدو

الأستاذ محمد محمود ولد محمد صالح يكتب : ردا على مقال ولد اشدو

 

وكالة الاتصال الاخبارية    ردا على مقال العميد الموقر والأخ الأكبر الأستاذ / محمدن ولد إشدو المنشور تحت عنوان “قراءة في الاستشارة القانونية للدكتور محمد محمود ولد محمد صالح” والذي نشر أثناء تواجدي مؤخرا بالخارج، أود أن أبدي الملاحظات التالية  :

 

1-بادئ ذي بدء، أريد أن أوضح أنه في الظروف العادية ما كنت لأرد على هذا المقال ذلك لأن القضية المثارة فيه منشورة في الوقت الراهن أمام المحكمة الخاصة المكلفة بمكافحة الفساد وأن محامي الأطراف ناقشوا كثيرًا حول الإشكال القانوني المطروح.

لكن يبدوا واضحا أن هذا المقال كان أقل تركيزًا على القضية نفسها منه على شخصي، وأنه يحتوي على تحريفات واتهامات شخصية لا أستطيع تركها دون جواب.

 

2ـأما التحريف الأول فقد تَمَثّلَ في تقديم رأيي المنشور في مقال صحفي على أنه استشارة قانونية. ولوضع هذا المقال في سياقه، أود أن أذكر بأنه تم نشره في شهر سبتمبر 2020، عندما ظهر في الصحافة المحلية العديد من المقالات (ربما بين 30 و40 على الأقل) كتبها قانونيون موريتانيون من توجهات مختلفة حول السؤال الذي فرض نفسه في النقاش العام باعتباره مسألة مركزية، ألا وهو موضوع حصانة رئيس دولة سابق، وكذا أبعاد تلك الحصانة وحدودها.

ومن هذا المنطلق قمت، مثل الغالبية العظمى من الحقوقيين الموريتانيين، بإبداء رأيي في هذه المسألة بناءً على أنني كنت من محرري دستور 1991 واستنادا إلى تجربة أكثر من 45 سنة استثمرتها في الأبحاث والاصدارات في العديد من مجالات القانون، بما في ذلك القانون الجنائي والقانون الدستوري. وقد اتخذت الحيطة في الخلاصة التي توصلت إليها لتقديم هذا الرأي على حقيقته، أي أنه رأي حر قابل للنقاش العلمي ويعود في النهاية إلى المحاكم تأكيده أو رفضه.

 

وعليه ما لم يُقَدِّم المرء كل المقالات الصحفية التي ظهرت خلال هذه الفترة على أنها استشارات قانونية، فإن مقالي هو الآخر كان رأيا حرا لا أكثر ولا أقل.

 

3ـلقد استغربت بشكل خاص موقف زميلي الموقر الذي يفهم من مقتضاه أن أي قانوني لا يشاطره موقفه من المادة 93 من الدستور هو بالضرورة غير نزيه، وأن آراءه ستكون منحازة حتما. ويتعارض هذا الموقف بالفعل مع المنطق الذي يحكم المجال القانوني.

وكما يشير أحد الفلاسفة الذين كتبوا أكثر ما كتب عن طبيعة العلوم القانونية، فإن هذه الأخيرة لا تعتمد على منطق الاستنتاج (la démonstration) كما هو الحال في الرياضيات، بل على منطق الحجة (l’argumentation)  والحجة المضادة.

ويعود ذلك بالذات إلى خصوصية المادة القانونية التي تتكون من نصوص مشكلة من جمل وكلمات متعددة المعاني، وبالتالي يجب تأويلها لتحديد معناها القانوني.

وإذا كانت حرية مفسر القانون مؤطّرَة بقواعد معينة، فإن أحد الدروس الأساسية لعلوم التأويل (sciences herméneutiques) هو أن تأويل النص يعني دائما الاختيار بين عدة معانٍ لذلك النص، ولا يتم هذا الاختيار بشكل عشوائي بل على أساس الحجج القانونية الأكثر منطقية مع مراعاة غرض النص ومبادئ وقيم النظام القانوني الذي يندرج فيه. وطالما لم يتم تثبيت معنى ذلك النص من خلال الفقه القضائي، فإن الخلافات حول التفسيرات لمعناه ونطاقه تبقى غالبًا قائمة مما يوجب على القانونيين التحلي بالتواضع وقبول الرأي الآخر.

 

وبالنسبة لي، لم أتساءل قط ما إذا كان موقف زميلي الموقر وأخي الأكبر، الأستاذ إشدو، بشأن المادة 93 من الدستور، والذي بمقتضاه أن هذا النص يمنح حصانة مطلقة لفائدة رئيس دولة سابق، هو موقف تدفعه فقط مصالح شخصية. وليس لي أن أشكك في نزاهته لسبب أنه يحمل رأيًا مخالفًا لرأيي.

وكقانوني، ما يهمني فقط هو الحجج القانونية التي ينبني عليها ذلك الرأي. والتي تكاد بالمناسبة أن تكون معدومة.

نحن حسب هذا الرأي يراد منا قبول فرضية الحصانة المطلقة لرئيس دولة سابق (عدا الخيانة العظمى) على أساس قراءة سريعة وسطحية فقط للمادة 93 من الدستور دون جهد إضافي، لمزيد من البحث. غير أن ذلك غير ممكن لثلاثة أسباب على الأقل والتي لا يمكنني عرضها هنا إلا بإيجاز.

 

4 ـ يتعلق السبب الأول بصياغة نص المادة 93 من الدستور نفسها. والمسار التاريخي لهذا النص مفيد لتحديد معناه : يشكل هذا النص نقلا طبقا الأصل للمادة 68 من الدستور الفرنسي لسنة 1958 في نسخته الأصلية. لكن خلافا لسابقه – المادة 42 من دستور 1946 (الجمهورية الرابعة) التي أقرت الحصانة المطلقة إلا في حالات الخيانة العظمى حيث نصت تلك المادة على أن “رئيس الجمهورية لا يكون مسؤولا إلا في حالة الخيانة العظمى”، تَحُدُّ المادة 68 من دستور 1958 (المادة 93 لدينا) نطاق الحصانة “على الأفعال التي يقوم بها رئيس الجمهورية أثناء ممارسته لمهامه”، مما يستبعد بالتالي جميع الأفعال التي لا تعتبر مقاما بها أثناء ممارسة مهامه، والتي تسمى أيضًا الأفعال المنفصلة.

وهذا الوضع الناتج عن صياغة المادة 68 من الدستور الفرنسي لسنة 1958 يؤكده أستاذ القانون ووزير العدل الأسبق لفرنسا الذي يعود إليه اقتراح وتحرير هذا النص (الذي أعاده دستورنا كما هو)، جان فوايي (Jean Foyer) عندما هنأ نفسه، بعد سنوات قليلة، في عام 1968، بأنه “من المسلم به الآن بالإجماع أن رئيس الجمهورية مسؤول جنائياً عن الجرائم التي لا تدخل في نطاق مهامه. ولا يستفيد من أي امتياز قضائي في المحاكمة على مثل هذه الجرائم”

(Jean Foyer, article, Haute Cour de Justice, Rep. Dalloz, le droit pénal, 1968, No 34)

 

ولذلك لا جدوى من محاولة جعل المادة 93 من الدستور تتضمن ما لا تتضمنه. وبالتأكيد لا يمنح هذا النص حصانة شخصية ومطلقة لرئيس دولة سابق. بل يَحُدُّ صراحة حصانة الرئيس فقط في الأفعال التي يقوم بها أثناء ممارسة مهامه. أي الأفعال المتعلقة بتسيير الشأن العام في إطار الصلاحيات المخولة للرئيس في الدستور.

ويمكن قراءة النص وإعادة قراءته آلاف المرات دون أن يمكن تجاوز فحواه الذي تقتصر فيه الحصانة على الأفعال التي يقوم بها الرئيس ضمن ممارسته لصلاحياته.

 

وعليه، فإن المسار التاريخي للنص ومضمونه، والفقه القانوني إجماعا يؤكدون على أن حصانة رئيس سابق لا تشمل الأفعال غير التي ذكرنا.

 

5ـ يتعلق السبب الثاني بهدف الحصانة وهكذا تمنح الحصانة لرئيس الدولة لتمكينه من ممارسة مهامه بحرية كاملة لتطبيق السياسات التي انتخب من أجلها دون أن يخشى في ذلك أية سلطة أخرى بما في ذلك السلطة القضائية. لكن لا يجوز له ارتكاب مخالفات لأغراض شخصية كالجرائم المالية على سبيل المثال.

وبالتالي، عندما يرتكب مثل هذه الجرائم، فمن الطبيعي أن يحاسب عليها بمجرد أن يصبح مواطنًا عاديًا وهكذا حكمت محكمة أفلوريدا بالولايات المتحدة الأمريكية في حكمها الصادر سنة 1990 في قضية نوريكا (رئيس أبانما السابق) معتمدة على سوابق (قضيتي خمينس رئيس فنزويلا وماركوس رئيس الفلبين السابقين) “بأن الجرائم المالية لا يمكن أبدا أن تعتبر أفعال رسمية بل هي أفعال شخصية كالاغتصاب”.

وفي نازلة مشابهة أدانت محكمة الجنح في باريز سبتمبر 2021 الرئيس السابق نيكولا ساركوزي في القضية الشهيرة بك ماليوه للتمويل غير المشروع لحملته الانتخابية أثناء مأموريته الرآسية قبل وصول هولاند إلى الرآسة الفرنسية.

 

6- لكن هناك ما هو أهم من رأي أساتذة القانون والمحامين، وهو – وهذا هو السبب الثالث- موقف المشرع الموريتاني، على الأقل فيما يتعلق بالفساد والجرائم الشبيهة.

 

وهكذا، فإن القانون رقم : 2016/014 المتعلق بمكافحة الفساد ينص في مادته الثانية على أنه يطبق على “كل شخص مدني أو عسكري يشغل منصبا تشريعيا أو تنفيذيا أو إداريا أو قضائيا سواء كان معينا أو منتخبا، دائما أو مؤقتا، مدفوع الأجر أو غير مدفوع الأجر، بصرف النظر عن رتبته أو أقدميته”. الشيء الذي يشمل بالضرورة رئيس الدولة لأنه فيما يتعلق بالسلطة التنفيذية، هو الشخص الوحيد الذي يشغل ولاية انتخابية.

 

وهذا النص، المأخوذ كما هو من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، يمليه الحرص على ضمان فعالية مكافحة الفساد، حيث سيكون من الظلم ومن غير المفيد بالفعل مقاضاة الموظفين العاديين بتهمة الفساد وحماية قمة الدولة من أية مساءلة محتملة بينما يسبب الفساد على مستوى القمة الآثار الأشد تدميراً.

ومما يستغرب أن صاحب فرضية الحصانة الدستورية المطلقة على أساس المادة 93 لم يشمل طعنه أمام المجلس الدستوري هذه المادة.

 

لكل هذه الأسباب وغيرها كثير، لا يبدو لي أن فرضية الحصانة المطلقة لرئيس دولة سابق يمكن الدفاع عنها. ومع ذلك، لا يخطر ببالي أن أقوم باتهام شخص أو توبيخه لمجرد أنه يدافع عن مثل هذه الفرضية : خاصة إذا كان زميلا في المهنة التي تلزم قواعدها الفصل بين نقض الحجج الذي يبقى دائما مشروعا وتوجيه علنيا الاتهامات الشخصية إلى زميل مما يشكل مخالفة لأدبيات وأخلاقيات المهنة.