الأحد , 2 أكتوبر 2022
أخبار عاجلة
أيهما كان أكبر كلفة على النظام : التسريب أم الاعتذار؟ / محمد الأمين ولد الفاضل

أيهما كان أكبر كلفة على النظام : التسريب أم الاعتذار؟ / محمد الأمين ولد الفاضل

وكالة الأتصال الاخبارية     تم في الأيام الأخيرة تداول تسريب منسوب إلى رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، وتضمن هذا التسريب الصوتي إساءة لإحدى المجموعات القبلية، وبعد التداول الواسع لهذا التسريب نشر رئيس الحزب تغريدة تضمنت اعتذارا عن ما اعتبره “تسجيلا مفبركا” منسوبا إليه.

ولقد شكلت هذه التغريدة بداية لتعامل غير محترف مع التسريب، وفي اعتقادي الشخصي فإن كلفة الاعتذار كانت بالنسبة للنظام أكبر من كلفة التسريب، وقد حق لنا بمناسبة هذا الاعتذار أن نقول: ورب اعتذار أكبر كلفة من تسريب.

لم تكن بداية مسار الاعتذار موفقة، ذلك أن الجمع بين الاعتذار والقول بفبركة التسجيل لم يكن مقنعا، ولم تكن المشكلة الكبيرة في بداية مسار الاعتذار، وإنما كانت في خاتمته، ومن قبل أن نبين ذلك، فلابد من تقديم نصيحة من خلال قوس قصير سنفتحه من قبل البدء في الحديث عن كلفة الاعتذار، والتي كانت ـ حسب وجهة نظري ـ أكبر من كلفة التسريب.

على رجال الدولة وكبار المسؤولين والشخصيات العامة، على هؤلاء وغيرهم، أن يدركوا بأننا نعيش في زمن لم تعد فيه المجالس الخاصة بالمجالس المغلقة، وما يُقال في هذه المجالس الخاصة قد ينقل في طرفة عين إلى الفضاءات العامة، ولذا فعلى هؤلاء أن لا يقولوا في مجالسهم الخاصة إلا ما يستطيعون قوله في مجالس عامة، وعليهم أن يدركوا أن تسريب ما يُقال في المجالس الخاصة، حتى وإن كان فعلا نذلا ووقحا وسيئا، قد أصبح  من الأمور التي عمت بها البلوى، والبعض قد يفعله عن سوء نية، والبعض الآخر قد يقع فيه دون قصد ودون أن تكون هناك نية مبيتة.

لقد سمعتُ ذات مرة تسجيلا صوتيا وقع في يد أمينة لأحد كبار المسؤولين، ولو أن هذا التسجيل وصل إلى أحد أولئك الذين لا يتورعون عن تسريب الأحاديث الخاصة، لكان صاحب ذلك التسجيل يعيش اليوم أزمة على المستوى الشخصي والوظيفي لن يكون بإمكانه أن يخرج منها إلا بكلفة كبيرة، بل وكبيرة جدا.

لنغلق لقوس النصيحة، ولنعد إلى التسريب الصوتي المنسوب إلى رئيس الحزب الحاكم، وإلى الاعتذار غير الموفق الذي زاد من كلفة ذلك التسريب.

ومن قبل أن نستعرض كلفة هذا الاعتذار، فنحن قد نكون بحاجة إلى التذكير بحقيقة واضحة تم تجاهلها خلال مسار الاعتذار، وهذه الحقيقة مفادها أن الذي أساء  إلى مجموعة قبلية في التسريب المذكور، والراجح أنه عن غير قصد، هو شخص رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، وليس الحزب ولا النظام، ولا حتى المجموعة القبلية لرئيس الحزب، فلماذا يتم إقحام الحزب أو النظام أو حتى المجموعة القبلية لرئيس الحزب في اعتذار عن خطأ لا دخل لهم فيه.

صحيحٌ أن المهندس سيدي محمد ولد الطالب أعمر هو رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، وهو وزير في الحكومة الحالية، وهو بطبيعة الحال ينتسب إلى مجموعة قبلية، ولكن هذا لا يعني أن أي خطأ شخصي يرتكبه المهندس سيدي محمد ولد الطالب أعمر يجب على النظام وعلى المجموعة القبلية للمهندس أن تتحملا مسؤوليته، وأن تقدما ـ بالتالي ـ الاعتذار عنه للمجموعة القبلية المتضررة.

كان من الأسلم للنظام  ولرئيس الحزب الحاكم ولمجموعته القبلية أن يتم اعتبار هذا الخطأ غير المقصود خطأ شخصيا، وأن يتم الاعتذار عنه بشكل شخصي دون إقحام مجموعة قبلية لا ذنب لها، ودون إقحام نظام لديه من المشاكل ما يغنيه عن تحمل وزر مكالمة مسربة لرئيس الحزب.

كان من الأسلم للنظام ولرئيس الحزب أن يتم تقديم الاعتذار بشكل شخصي من طرف المهندس سيدي محمد ولد الطالب وأعمر ، وكان يمكن للنظام وللحزب وللمجموعة القبلية لرئيس الحزب أن تساهم بشكل غير مباشر في ترتيب جلسة الاعتذار مع الحرص على أن لا يظهر في الصورة إلا المهندس سيدي محمد ولد الطالب أعمر، والحرص كذلك على أن يقول في جلسة الاعتذار أن الخطأ كان خطأ شخصيا، وأنه لا دخل للحزب ولا النظام في هذا الخطأ، ولأن الخطأ كان خطأ شخصيا، فقد جاء هو شخصيا وبمفرده ليقدم اعتذاره الشخصي لكل من تضرر من التسريب الصوتي المنسوب إليه.

إن أخطر ما في مسار الاعتذار الذي تم إتباعه هو أنه سيشوش على الجهود التي تم بذلها مؤخرا من طرف النظام للحد من الاجتماعات القبلية والشرائحية والجهوية، وكذلك للحد من الخطاب القبلي والجهوي والشرائحي.

لقد أضاع النظام فرصة ثمينة، فمع كل مشكلة أو أزمة تكون هناك فرصة ثمينة يمكن استغلالها، والفرصة التي كان يمكن للنظام أن يستغلها من خلال هذا التسريب، فيحول بذلك محنة التسريب إلى منحة سياسية، هي أن يجعل من هذا التسريب مناسبة لتوجيه رسالة قوية إلى الرأي العام مفادها أن جهوده في مواجهة الخطاب القبلي والجهوي والشرائحي  متواصلة ومستمرة، هذه الرسالة القوية لم تكن لتكلف النظام أي شيء، فحسب ما نطالع من تحليلات وأحاديث  من الدوائر العليا في الحزب الحاكم فإن قرار تغيير رئاسة الحزب قد تم اتخاذه منذ تشكيل حكومة ولد بلال الثانية، فماذا كان سيضر النظام لو عجل بذلك القرار، فأعطى بذلك انطباعا للرأي العام أن لذلك القرار علاقة بالتسريب؟